تُعتبر حرفة "الدرازة" (النسيج التقليدي) أحد أقدم الأركان التي قام عليها الاقتصاد والمجتمع في المملكة المغربية؛ فهي ليست مجرد عملية عابرة لتشبيك الخيوط، بل هي هندسة متكاملة وتاريخ مدون على الأثواب يترجم ذاكرة أمة وأصالة شعب. فمن المنسج الخشبي العتيق خرجت أغطية وأقمشة صاغت ملامح الهوية البصرية المغربية كالحايك، السلهام، والجلابة بأصنافها. اعتمد الصانع المغربي ("الدرّاز") على مهارة يديه، حبه للجمال، وحسه الهندسي الفطري لغزل الصوف والحرير وتحويلهما إلى أقمشة فاخرة تنافست عليها أسواق الشرق والغرب. ولكن، كيف تطورت هذه الحرفة تاريخياً من خيام البدو إلى حواضر الأندلس وفاس؟ ما هي الهندسة الدقيقة التي تُبنى بها "آلة المرمى" وكيف تُدار ميكانيكياً؟ ما هي المراحل الشاقة للتسدية والتحضير قبل الجلوس خلف المنسج؟ وما الذي يجعل الجلابة البزوية تتربع على عرش المنسوجات المغربية وسط تنوع المدارس بين فاس، بزو، وشفشاون؟
1. لمحة تاريخية: من خيمة البدو إلى حواضر الأندلس
ارتبطت حرفة الدرازة في المغرب بوجود الإنسان على هذه الأرض؛ إذ بدأت في أصلها كحاجة بيولوجية وإنسانية أساسية للاحتماء من قساوة البرد وتقلبات المناخ باستخدام الصوف الخام للأغنام والمواشي.
الجذور والأصول الأمازيغية: تعود البدايات الأولى للنسيج إلى العصور الأمازيغية القديمة، حيث كانت القبائل في جبال الأطلس والريف تُنتج أغطيتها وكساءها البدائي عبر المناسج العمودية القروية. ومع دخول الأدارسة وتأسيس مدينة فاس، تحولت الحرفة من نشاط قروي موجه للاستهلاك الذاتي إلى صناعة الحواضر المنظمة، لتصبح فاس بسرعة "عاصمة الدرازة" بلا منازع.
التأثير والتلاقح الأندلسي: استقبل المغرب موجات الهجرة الأندلسية المتعاقبة، والتي حمل معها الحرفيون تقنيات فائقة الدقة في التعامل مع غزل الحرير الطبيعي والكتان ضبط أوزان الخيوط وتناسق الألوان. أدى هذا الاندماج الحضاري إلى جعل مدن كفاس، شفشاون، وتطوان مراكز عالمية للمنسوجات الفاخرة التي أصبحت مادة رئيسية للتصدير التجاري نحو أفريقيا والمشرق.
2. هندسة "آلة المرمى": هيكل الإبداع والتناسق الفيزيائي
المرمى (أو المنسج) هي الآلة الخشبية التقليدية المركبة التي يقضي خلفها "الدرّاز" ساعات طويلة من العمل الدؤوب. وتُعتبر المرمى معجزة هندسية تعتمد على قوانين الفيزياء الكلاسيكية والتناسق العضلي الكامل، وتتكون من الأجزاء التالية:
الناعورة (أو المطواة): بكرة خشبية ضخمة تقع في الجزء الخلفي للآلة، يُلف عليها خيط "السداة" (الخيوط الطولية) بطول متوازن وتحت ضغط شد محكم.
الدف: إطار خشبي ثقيل معلق، يحمل في وسطه "المشط"، ومهمته الرئيسية الدكّ والقوة لرص خيوط "اللحمة" العرضية وجعل الثوب متماسكاً يمنع تسرب الهواء.
المشط: أداة دقيقة مصنوعة من قصب خفيف أو معدن صلب، تحدد أسنان المتراصة كثافة الثوب ونوعيته وسمكه.
الدوسات (الرواكض): ألواح خشبية مثبتة أسفل المنسج تحت قدمي الصانع، يتحكم عبرها في رفع وخفض خيوط السداة عبر "النيرة" لفتح الفراغ المسمى بـ "الفم".
المكوك: قطعة خشبية بيضاوية مصقولة تُخبئ في جوفها "القصبة" الملفوفة بخيط اللحمة، ويمررها الصانع بسرعة البرق بين الخيوط المفتوحة يميناً ويساراً.
3. مراحل "التسدية" والتحضير: الصبر قبل الفن
قبل أن يجلس الدرّاز خلف المرمى ليشرع في عملية النسيج الفعلية، تمر المادة الخام بمراحل تحضيرية شاقة ومتسلسلة تتطلب صبراً أيوبياً ودقة متناهية:
1. غسل وإعداد الصوف: اختيار أجود أنواع الأصواف المحلية أو صوف "المرينو"، وتنظيفها جيداً بالماء والزنك لطرد الدهون والشوائب، ثم تنقيتها وتفكيك أليافها.
2. الغزل: تحويل الصوف المغسول إلى خيوط رقيقة أو سميكة متجانسة باستعمال "المغزل" اليدوي أو "الناعورة"، مع تحديد نسبة الفتل لضمان المتانة.
3. التسدية (الطلي): تُعتبر أخطر وأدق مرحلة في الدرازة؛ حيث يتم مد خيوط السداة الطولية بطول معين (قد يصل إلى 30 متراً) وتنسيقها على أوتاد خاصة بدقة متناهية. إن أي خطأ في حساب خيط واحد أو ارتخائه يفسد قطعة الثوب بالكامل.
4. التلصيق (التطريم): ربط الخيوط الجديدة الممدودة بالخيوط القديمة المتبقية في المنسج خيطاً بخيط، وهي عملية تتطلب بصراً حاداً ودقة يدوية فائقة يستغرق فيها الصانع ساعات طوال.
4. أسرار الجلابة البزوية: "سلطانة المنسوجات المغربية"
تُعتبر الجلابة البزوية (نسبة إلى بلدة بزو بقلعة السراغنة/إقليم أزيلال) أرقى وأفخم ما يمكن أن تنتجه يد الدرّاز المغربي، وهي قطعة تتوج مهارة الصانع التقليدي:
السر في الخيط: تُنسج الجلابة البزوية من صوف فائق الرقة والنعومة يُعرف بـ "المرموز"، يتم غزله يدوياً بأصابع النساء في بزو، وغالباً ما يُمزج بخيوط الحرير الطبيعي ("الفتلة").
الشفافية والوزن: تتميز الخرقة البزوية بكونها خفيفة الوزن جداً وشبه شفافة، تمنح لارتدائها هيبة ووقاراً؛ ولذلك كانت ولا تزال الكساء المفضل للملوك، الأمراء، والأعيان في المناسبات الوطنية والرسمية.
الإنتاج والزمن: نظراً لدقة خيوطها ورقتها، فإن نسج قطعة واحدة من الثوب البزوي يتطلب أسابيع من العمل المتواصل والدقيق خلف المنسج.
5. الحايك والجلابة: مثلث التنوع بين فاس، بزو، وشفشاون
تتعدد المدارس الجمالية لحرفة الدرازة في المغرب، حيث وضعت كل منطقة بصمتها البيئية والثقافية الخاصة على المنسوجات:
مدرسة فاس (دقة النسيج والحرير): مدرسة الدقة والرفاهية الحضرية. اشتهرت بـ "الحايك الفاسي" الأبيض الناصع المصنوع من الحرير والصوف الناعم، وبـ "الخرقة الفاسية" التي تُستخدم في نسج القفطان والجلابة المخزنية الأصيلة.
مدرسة شفشاون (الصوف الجبلي الدافئ): مدرسة البيئة الجبلية. تتميز بـ "الجلابة الشفشاونية" المصنوعة من الصوف الثقيل والدافئ ذي القب الحاد والشرابات، إضافة إلى "المناديل" المخططة بالأبيض والأحمر التي تُزين لَبس نساء الشمال.
مدرسة بزو (فن الرقة والنعومة): تخصصت في "الرقة العالية"؛ حيث استطاع حرفيوها بعبقرية تحويل الصوف الخشن إلى نسيج ناعم ورقيق يشبه "الشيفون" في ملمسه وشفافيته.
الخاتمة
تظل الدرازة في المغرب أكثر من مجرد مهنة نفعية؛ إنها إرث ثقافي وهندسي شامخ يُصارع اليوم من أجل البقاء أمام زحف المنسوجات الصناعية والأقمشة المستوردة. ورغم كل التحديات، يظل "الدرّاز" المغربي فنانًا هندسياً بامتياز، يجمع بين قوة الجسد (عبر الحركة المتناسقة للأرجل على الدوسات والأيدي على المكوك والدّف) ودقة الخيال لغزل خيوط الصبر والجمال. إن حماية هذا القطاع ودعم صناع المنسج التقليدي هو حماية لرمز من أعمق رموز الذاكرة والهوية المغربية الأصيلة.
