تاريخ احتلال مدينة سبتة: من الغزو البرتغالي وحصار الثلاثين عاماً إلى أزمات العرش الإيبيري

تاريخ احتلال مدينة سبتة: من الغزو البرتغالي وحصار الثلاثين عاماً إلى أزمات العرش الإيبيري

 تُمثّل مدينة سبتة المحتلة إحدى أكثر النقاط الجغرافية إثارة للجدل في تاريخ حوض البحر الأبيض المتوسط. بفضل موقعها المتميز على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، شكّلت المدينة عبر العصور مطمحاً استراتيجياً للقوى البحرية والإمبراطوريات التوسعية. ورغم أن الذاكرة الحديثة تربط سبتة بالسيطرة الإسبانية، إلا أن الحقائق التاريخية الموثقة تؤكد أن الاحتلال الأوروبي للمدينة بدأ على يد الإمبراطورية البرتغالية، قبل أن تنتقل السيطرة إلى التاج الإسباني نتيجة تحولات سياسية وأزمات وراثة داخل القارة الأوروبية.

الأهمية الاستراتيجية لمدينة سبتة قبل الاحتلال

قبل سقوطها في القرن الخامس عشر، كانت سبتة تُعدّ من أزهر المراكز التجارية والثقافية في المغرب الأقصى تحت حكم الدولة المرينية.

مركز تجاري عالمي: كانت سبتة النقطة النهائية لقوافل التجارة القادمة من عمق إفريقيا والصحراء الكبرى المحملة بالذهب والعاج، ومركزاً لتبادل البضائع مع مدن الموانئ الإيطالية والأندلسية.

موقع دفاعي حصين: أحاطت بالمدينة تضاريس طبيعية وشواطئ مرتفعة جعلت منافذها البحرية متحكمة بالكامل في الملاحة عبر مضيق جبل طارق.

قاعدة علمية وبحرية: ضمّت المدينة ترسانة لصناعة السفن ومدارس علمية، مما جعل السيطرة عليها بمثابة إغلاق للبوابة الشمالية للمغرب.

الغزو البرتغالي (1415م): ضربة البداية للتوسع الإيبيري

في صيف عام 1415م، أطلق الملك البرتغالي "جون الأول" (João I) برفقة أبنائه (ومن بينهم الأمير "هنري الملاح") أسطولاً حربياً ضخماً يتكون من نحو 200 سفينة تحمل أكثر من 45,000 مقاتل.

أغسطس 1415م (انطلاق الأسطول البرتغالي): أبحر الأسطول من ميناء لشبونة بتمويه إعلامي أدعى التوجه نحو المشرق، قبل أن يغير مساره فجأة نحو مضيق جبل طارق.

21 أغسطس 1415م (سقوط المدينة): باغتت القوات البرتغالية حامية المدينة الشبه خالية، واستغلت عنصر المفاجأة لتستولي على الأسوار والميناء في يوم واحد.

1437م (معركة طنجة الفاشلة): حاول البرتغاليون التوسع من سبتة نحو طنجة، لكن الجيش المغربي المريني فرض عليهم حصاراً خانقاً انتهى بهزيمة برتغالية وأسر الأمير فيرناندو.

أصبح يوم 21 أغسطس 1415م نقطة مفصلية في تاريخ المنطقة؛ إذ أعلنت البرتغال سبتة كأول "مستعمرة عابرة للبحار"، واستخدمتها كقاعدة رئيسية لانطلاق حركة الاستكشافات الجغرافية البرتغالية على طول السواحل الإفريقية.

أزمة العرش البرتغالي (1580م): كيف تحولت سبتة إلى إسبانيا؟

استمر الحكم البرتغالي لمدينة سبتة لمدة 165 عاماً متواصلة، تحولت خلالها المدينة إلى قلعة عسكرية مغلقة. إلا أن التحول الدراماتيكي في مصير المدينة جاء نتيجة حدث سياسي داخل القارة الأوروبية.

معركة وادي المخازن وانقراض السلالة: في عام 1578م، خاض الملك البرتغالي الشاب "دون سيباستيان" حملة صليبية على المغرب انتهت بكارثة عسكرية في معركة وادي المخازن، حيث قُتل الملك دون وريث شرعي.

تاريخ احتلال مدينة سبتة: من الغزو البرتغالي وحصار الثلاثين عاماً إلى أزمات العرش الإيبيري

التدخل الإسباني والاتحاد الإيبري: استغل الملك الإسباني فيليب الثاني الخلاف السياسي على وراثة العرش في لشبونة، وسير جيوشه لدخول البرتغال عام 1580م. وبموجب "الاتحاد الإيبري" (1580-1640م)، أصبحت كافة الممتلكات البرتغالية تابعة رسمياً للتاج الإسباني، بما في ذلك مدينة سبتة.

معاهدة لشبونة (1668م): عندما استعاد البرتغاليون استقلالهم عن إسبانيا عام 1640م، فضّلت النخبة الحاكمة والحامية العسكرية في سبتة البقاء تحت حكم ملك إسبانيا نظراً للاعتماد الاقتصادي والعسكري الكامل على الموانئ الإسبانية القريبة (مثل الجزيرة الخضراء). وفي عام 1668م، وقّعت البرتغال وإسبانيا معاهدة لشبونة، والتي اعترفت فيها البرتغال رسمياً بسيادة إسبانيا على سبتة.

الرابط الاستراتيجي بين سبتة وسقوط مليلية (1497م)

شكل الاستيلاء البرتغالي على سبتة عام 1415م شرارة السباق الإيبيري نحو الشمال الإفريقي، حيث أثار هذا المكسب البرتغالي حفيظة التاج القشتالي (الإسباني). وبعد سقوط غرناطة عام 1492م، سارعت إسبانيا إلى احتلال مدينة مليلية عام 1497م لمنع التمدد البرتغالي وتطويق السواحل المغربية. وبذلك أصبحت سبتة ومليلية تشكلان جبهة مزدوجة للضغط العسكري والأولمبي الإيبري على الدولة المغربية ومراقبة منافذ الملاحة البحرية.

تاريخ المقاومة المغربية لاسترجاع سبتة وملاحم الحصار العسكري

تاريخ المقاومة المغربية لاسترجاع سبتة وملاحم الحصار العسكري

لم يقف المغرب عبر سلالاته المتعاقبة موقف العاجز أمام اقتطاع هذا الثغر الحيوي، بل شكّلت مدينة سبتة المحور الأساسي للصراع العسكري والدبلوماسي بين السلطنة المغربية والقوى الأوروبية. ومع توحيد البلاد تحت راية الدولة العلوية، تحوّل ملف الثغور المحتلة إلى قضية وجود ومسألة شرف وطني.

ملحمة حصار الثلاثين عاماً (1694 - 1727م): تُعدّ هذه الفترة أطول حصار عسكري موثق في التاريخ الحديث. أصدر السلطان المولى إسماعيل أوامره لـ "جيش البخاري" والقبائل المجاورة بالتحرك نحو سبتة. أقام الجيش المغربي معسكراً استراتيجياً دائماً على مشارف الأسوار، وشيّد مدينة عسكرية كاملة تحت الأرض تضمنت ثكنات ومواقع مدفعية ومستشفيات ميدانية. خاض المغاربة مواجهات مباشرة اليومية وحفروا شبكات أنفاق امتدت إلى أسفل التحصينات الإسبانية، وفرضوا عزلة برية مطلقة على الحامية العسكرية.

لغز الصمود الإسباني والدعم البحري: رغم إحكام الجيش المغربي سيطرته الكاملة على المنافذ البرية، استطاعت إسبانيا تحييد سقوط المدينة بالكامل بفضل الإمدادات البحرية المتواصلة. كانت السفن الحربية الإسبانية تعبر مياه المتوسط ليلاً قادمة من ملقة والجزيرة الخضراء لتفرغ المؤن والسلاح وتجلي الجرحى.

حصار واستعادة المبادرة عام 1757م: جدد المغاربة الحصار والتضييق العسكري على سبتة من خلال بناء أبراج ومراصد عسكرية مرتفعة لمراقبة الحركة البحرية في الميناء وشل تحركات الحامية الإسبانية.

الهجوم والضغط المدفعي (1790 - 1791م): في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، شهدت أسوار سبتة قصفاً مدفعياً مكثفاً استهدف التحصينات والأسوار البرتغالية والإسبانية العتيقة، بهدف دك خطوط الدفاع وإجبار الإدارة الإسبانية على الجلاء والتفاوض.

حرب تطوان والمواجهات الحدودية (1859 - 1860م): اندلعت هذه الحرب نتيجة التوسع العسكري الإسباني خارج حدود أسوار سبتة وإنشاء حفر دفاعية جديدة، وهو ما اعتبرته القبائل المغربية المجاورة والسلطان مولاي عبد الرحمن خرقاً للحدود، فدارت معارك ضارية في شوائب الجبال المحيطة انتهت بتسوية معاهدتية مجحفة وسداد غرامات مالية للتاج الإسباني.

الخلاصة والوضع القانوني لسبتة: قراءة تحليلة في الجذور والواقع الراهن

توضح القراءة التاريخية الشاملة لمسار مدينة سبتة أن السيطرة الأوروبية عليها لم تكن نتاج واقع جيو-سياسي واحد، بل مرت بمرحلتين مفصليتين شكّلتا حاضر المدينة الإداري والديمغرافي. تمثلت الأولى في المرحلة البرتغالية (1415 - 1580م) التي اتسمت بالاقتطاع العسكري المباشر وبداية عصر التوسع الإيبيري في شمال إفريقيا، بينما تجسدت الثانية في المرحلة الإسبانية (1580م - الحاضر) التي انتقلت فيها المدينة إلى التاج الإسباني كأثر جانبي لأزمة وراثة أوروبية واتحاد ملكي، قبل أن تُرسّخ بمعاهدة لشبونة لعام 1668م وتتحول لاحقاً في القرن العشرين إلى صيغة "الحكم الذاتي" تحت الإدارة الإسبانية.

وعلى الرغم من الأمر الواقع الذي فرضته المعاهدات الدولية القديمة موازين القوى التاريخية، يظل الموقف الرسمي والشعبي المغربي ثابتاً في تصنيف مدينة سبتة (إلى جانب مدينة مليلية والجزر الجعفرية) كأراضٍ مغربية محتلة وجزء لا يتجزأ من التراب الوطني. ويرتكز الطرح المغربي على أبعاد جغرافية وتاريخية تجعل وجود الاستعمار الإسباني امتداداً لسياسات التوسع القديمة التي تتنافى مع منطق تصفية الاستعمار والوحدة الترابية للدول. وبين العزلة الجغرافية عن شبه الجزيرة الإيبيرية والارتباط الهيكلي والاقتصادي بالعمق المغربي، تبقى سبتة ملفاً حياً وقضية عليا تؤكد أن شرعية الشعوب في أرضها لا تسقط بتقادم العقود أو بتغير موازين القوى العبر-تاريخية.

تعليقات